أحمد بن يحيى العمري

83

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

يكررها ، فلهذا أدعو له آناء الليل والنهار . قلت : ولقد صدق الملك العادل رحمه الله في قوله ، فهكذا كان وما زال حمى الخلافة مصونا والبلاد محمية الأطراف متماسكة القوى حتى مات السلطان علاء الدين تكش « 1 » ، ثم ابنه السلطان جلال الدين محمد « 2 » رحمهما الله ، فمالت التتار على الآفاق ، وطمى سيلهم على الأرض فانتهكت حرمة الإسلام ، وأخذت دار السلام ، وأنهرت أوداج الأرض بالدماء ، وسبت الكرائم ، وترامت الهاشميات إلى دجلة ، وقتل الخليفة ، وشوهت الخليقة ، وماج الثقلان ، وكان ما كان ، فرحم الله الملوك الخوارزمية ، لقد ( ص 16 ) جاهدوا في الله حق جهاده ، وقاوموا التتار مدة سنين ، إلى أن علا السيل الزبى ، وبلغ الحزام الطبيبين ، ولو شاء ربك ما فعلوه . فهل في الغرب من بلغ سلطانه هذا المبلغ ، وعظم في الملك شأنه إلى هذا الحد ، وهل فاض الملك من الشرق على الغرب ، أم من الغرب على الشرق ؟ قل وأنصف أيها المسؤول ، ولا تقل عن المستنصر الفاطمي لما خطب له ببغداد ، [ فتنة البساسيري ] فتلك سنة مظلمة كان سببها أرسلان البساسيري « 3 » ، لعداوة ابن

--> ( 1 ) علاء الدين تكش دام حكمه شاها من شاهات خوارزم من سنة ( 568 - 596 ه ) ، وهو الابن الأكبر لملك خوارزم أرسلان ، لما توفي كان علاء الدين تكش مقيما في الجند ، فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الأصغر ودبرت والدته المملكة والعساكر ، تعاهد مع ملك الخطا وهم كفار واسترد الملك لنفسه كان شجاعا سياسيا ذكيا ، هزم جنود الخطا وخصومه عن خوارزم بتحويل نهر جيحون عليهم ، فكادوا يغرقون ، وقطع طمع أعدائه به ، واستقر ملكه إلى أن توفي في 20 رمضان عام ( 596 ه ) في شهرستانه ، ودفن بخوارزم . انظر الكامل 11 / 377 - 384 و 12 / 104 و 156 - 157 . ( 2 ) أسلفت ترجمته ص 81 هامش 2 من هذا الكتاب . ( 3 ) هو أبو الحارث أرسلان بن عبد الله البساسيري ، تركي الأصل ، كان من مماليك بني بويه ، خدم القائم بأمر الله العباسي ، فقدمه على جميع الأتراك في بغداد ، وقلده الأمور بأسرها ، وعظم أمره ، وهابته الملوك ، ولقب بالمظفر ، ثم خرج على القائم العباسي ، وأخرجه من بغداد ، وخطب للمستنصر الفاطمي صاحب مصر سنة ( 450 ه ) وأخذ له بيعة القضاة والأشراف بالإكراه ، ولم يثق به المستنصر الفاطمي ، فأهمل أمره ، فتغلب عليه أعوان القائم من عسكر السلطان طغرلبك ، فقتلوه سنة ( 451 ه ) وعادت الأمور إلى مجراها . انظر البداية والنهاية 12 / 104 - 112 .